ابن تيمية
110
مجموعة الفتاوى
وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَالَ { قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ } وَلَمْ يَقُلْ " مَا " فَإِنَّهُ لَمَّا اجْتَمَعَ مَا يَعْقِلُ وَمَا لَا يَعْقِلُ غَلَبَ مَا يَعْقِلُ وَعَبَّرَ عَنْهُ ب " مَنْ " لِتَكُونَ أَبْلَغَ فَإِنَّهُمْ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْغَيْبَ إلَّا اللَّهَ . وَهَذَا هُوَ الْغَيْبُ الْمُطْلَقُ عَنْ جَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِي قَالَ فِيهِ { فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً } . وَالْغَيْبُ الْمُقَيَّدُ مَا عَلِمَهُ بَعْضُ الْمَخْلُوقَاتِ مِن المَلَائِكَةِ أَوْ الْجِنِّ أَوْ الْإِنْسِ وَشَهِدُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ غَيْبٌ عَمَّنْ غَابَ عَنْهُ لَيْسَ هُوَ غَيْباً عَمَّنْ شَهِدَهُ . وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ قَدْ يَغِيبُ عَنْ هَذَا مَا يَشْهَدُهُ هَذَا فَيَكُونُ غَيْباً مُقَيَّداً أَيْ غَيْباً عَمَّنْ غَابَ عَنْهُ مِن المَخْلُوقِينَ لَا عَمَّنْ شَهِدَهُ لَيْسَ غَيْباً مُطْلَقاً غَابَ عَنْ الْمَخْلُوقِينَ قَاطِبَةً . وَقَوْلُهُ : { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } أَيْ عَالِمُ مَا غَابَ عَنْ الْعِبَادِ مُطْلَقاً وَمُعَيَّناً وَمَا شَهِدُوهُ فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ . والْنُّفَاةِ لِلْعُلُوِّ وَنَحْوِهِ مِن الصِّفَاتِ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَنَدُهُمْ خَبَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا الْكِتَابَ وَلَا السُّنَّةَ وَلَا أَقْوَالَ السَّلَفِ وَلَا مُسْتَنَدُهُمْ فِطْرَةَ الْعَقْلِ وَضَرُورَتَهُ وَلَكِنْ يَقُولُونَ : مَعَنَا النَّظَرُ الْعَقْلِيُّ . وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ الْمُثْبِتُونَ لِلْعُلُوِّ فَيَقُولُونَ : إنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ مَعَ فِطْرَةِ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ الْعِبَادَ عَلَيْهَا وَضَرُورَةُ الْعَقْلِ وَمَعَ نَظَرِ الْعَقْلِ وَاسْتِدْلَالِهِ .